الأحد، 5 يونيو، 2011

زويل يكتب : الحلم بالمستقبل


عندما تأسس مجمع الكيميائيين الأمريكي في‏1876,‏ كان من حسن الحظ أن مؤسسيها لم يفطنوا إلي‏,‏ أو لعلهم اختاروا أن يتجاهلوا‏,‏ كلمات توماس جيفرسون‏(‏ أحد مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية‏),‏ الذي كتب في1809 في خطاب إلي ابن أخيه يقول زلو اضطررت لتجاهل أي شئ, فليكن ذلك هو الكيمياء, فهي الأقل نفعا من بين فروع العلم المألوفة كافة.
لقد رأي جيفرسون أن فضائل الزراعة تفوق الكيمياء! ولحسن الحظ, فإن كثيرين لم يشاركوا جيفرسون تفضيله للزراعة, بمن فيهم أحد خريجي كلية أوريجون للزراعة وهو لاينوس بولنج. فقد اشتهر لاينوس بقوله: إن الكيمياء مذهلة! وأشعر بالأسي علي الأشخاص الذين لا يعرفون شيئا عن الكيمياء, إذ يفوتهم جزء مهم في الحياة ومصدر مهم للسعادة يشبع حب الاستطلاع الفكري لدي المرء. وقد حصل بولنج علي قلادة بريستلي سنه83 عاما, لذا احرصوا علي أن تعمروا طويلا!.


وبالنسبة للجوائز في مجملها, أعتقد في أن الرضا الشخصي الذي يشعر به المرء عند الحصول عليها يأتي من كونها اعترافا بإنجازه من قبل نظرائه ومن تاريخ الجائزة نفسها. إن القلادة التي نلتها هذا العام تحمل اسم جوزيف بريستلي, وهو شخص عظيم حقق خلودا علميا لاكتشافه الأكسجين في القرن الثامن عشر. ومما لا يقل أهمية أن بريستلي كان داعية لإصلاح التعليم والحرية الشخصية في زمن صعب عندما ابتليت أوروبا بالتطرف الديني. ففي1794, هاجر من إنجلترا إلي أمريكا, حيث أصبح صديقا لجيفرسون, الذي التمس مشورته بشأن خطط إنشاء جامعة فيرجينيا. إن انتقال بريسلتي إلي أمريكا يلقي الضوء علي الفرصة العظيمة التي قدمتها الولايات المتحدة للمهاجرين.

عندما أعلن المجمع منحي القلادة في مطلع العام الماضي(2010), تلقيت عددا كبيرا من التهانيء من أصدقاء وزملاء من شتي أنحاء العالم, لكن الإسهامات العلمية التي ذكرت كأسباب لمنحي الجائزة لم تكن لتتحقق لولا تفاني عدد كبير من العلماء والباحثين, والزملاء الحاصلين علي الدكتوراه, والخريجين, والمديرين, وهيئة العاملين. وأعرب لهم جميعا عن فائق امتناني.

وأود أن أغتنم هذه الفرصة لتحية زملائي الذين يتم تشريفهم بمنحهم جوائز المجمع, وبصفة خاصة أستاذي السابق بعد الحصول علي الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا ببركلي, شارلز هاريس الذي حصل علي جائزة تبدو غريبة الاسم هي جائزة أحمد زويل في العلوم والتكنولوجيا فائقة السرعة. وأخيرا وليس آخرا هناك أفراد أسرتي الذين أهدي إليهم, الإنجازات التي أكرم من أجلها وأخص بالذكر هنا والدي الراحلين.

إن جوائز بريستلي تتجه عادة صوب مسارات تتعلق بخريطة الماضي, أو كما في حالة صديقي جورج وايتسايدز تلقي نظرة مستقبلية علي الكيمياء. والليلة, سوف أستخدم رحلتي من مصر إلي أمريكا لأتدبر دروس الأوديسة عن انسان يبحث عن زصنع حلمس. ثم أناقش بعدها التحديات التي تواجه هذا البلد والعالم, والدور الذي يمكن للعلم أن يلعبه في الدبلوماسية.

صنع الأحلام

في سن السادسة عشرة, كنت من بين الملايين في شتي أنحاء العالم الذين خلب لبهم حلم قيد التشكيل. ففي12 سبتمبر1962, قال الرئيس جون كيندي زلقد اخترنا الذهاب للقمر. اخترنا الذهاب للقمر في هذا العقد وأن نفعل أشياء أخري, ليس لأنها سهلة, بل لأنها صعبة, ولأن ذلك الهدف سيفيد في تنظيم وقياس أفضل ما لدينا من طاقات ومهارات, ولأن هذا هو التحدي الذي نرغب في التصدي له, ولا نرغب في تأجيل مواجهته, وهو الذي نعتزم الظفر به.


لقد غيرت هذه الكلمات التاريخية مسار استكشاف الفضاء والكثير غيره أيضا. ولآلاف السنين من الآن, ستكون الحضارة الأمريكية محل إعجاب- فضلا عن دستورها المؤسس- بسبب الهبوط علي القمر وبدء استكشاف الفضاء, مثلما لانزال نزجي التقدير والثناء للديمقراطية في أثينا القديمة وأعجوبة أهرامات الجيزة.

لقد كان الرئيس كيندي في المكان المناسب والزمان المناسب عندما طرح رؤيته الجسورة للأمة. وبالمثل, فإن الأحلام بالنسبة للأفراد تحددها رؤية المرء, انطلاقا من حدسه وبصيرته, والمكان والزمان اللذين يعيش فيهما.

وفي حالتي الخاصة, لابد أن والدي أدركا تعطشي للمعرفة وقررا إنجابي في بلدة تحفها مدينتان من مدن المعرفة, هما الإسكندرية ورشيد. إن الإسكندرية التي التحقت بالجامعة فيها مكان موغل في أعماق التاريخ بمكتبتها القديمة وهي موطن فكري لعلماء عظام مثل أوليسيد, وأرشميدس, وهيباتيا. أما رشيد فهي المدينة التي اكتشف فيها الحجر الشهير, بنصوصه المنقوشة الثلاثة, الهيروغليفية القديمة, والديموطيقية, واليونانية القديمة. ورغم هذا المحيط الميمون والتعليم الجدير بالثناء الذي تلقيته في مصر, فقد كانت أحلامي متواضعة.

تطور الأحلام


كان حلمي الأول في سن الخامسة عشرة حلما ديناميكيا. فقد أثار دهشتي كيف أن مادة صلبة هي الخشب عند احتراقها تنتج غازا يمكن إشعاله بعود ثقاب. ولتقصي الأمر, صنعت جهازا من الأواني الزجاجية في غرفة نومي وأجريت تجربة لمشاهدة احتراق الخشب وجمع الجهاز الذي صنعته الغاز الناجم عن الخشب الذي أشعلته بعود ثقاب. وبالطبع, فإن هذا النشاط لم يكن مبهجا لأمي.


لكنني لم أهتم كثيرا بمثل هذه بالتفاصيل لأن حب الاستطلاع الذي ينتاب تلميذا في مدرسة هو الذي كان يحركني. لم أكن أفكر في بحث مايكل فاراداي عن أصل الاحتراق في محاضرته المشهورة زالتاريخ الكيميائي لشمعةس. كما لم أكن ملما باستخدام لافوازييه زلزجاجة الاحتراقس بالنسبة لمواد مختلفة أو حتي لاكتشاف بريستلي للأوكسجين, رغم أنني كنت أعرف أن الأوكجسين موجود.

كنت أتبع حدسي, الذي أفضي بي إلي مسار بسيط للاكتشاف: لابد أن ظاهرة طبيعية خلبت لبي الضوء الناجم عن الاحتراقس ثم طرحت سؤالا هو زلماذا؟س وأجريت تجربة مباشرة صممتها. وأتذكر شرحي للنتائج لزملائي التلاميذ, وأعتقد أنني أقنعت كثيرين منهم بأن يروا روعة البساطة في التقصي العلمي. إن التجارب والمشاهدات الجميلة تبدو عادة بسيطة عندما نستعيد الماضي, لكن النتائج التي نتوصل إليها تكون أساسية.

وقد لازمتني هذه المعتقدات طوال حياتي وكذلك فضولي وحبي للاستطلاع بشأن التغيرات في المادة أو بلغة العصر زديناميكيات تحول المادةس ربما بسبب ما تعلمته مبكرا من أن الكيمياء كعلم لها جذورها في مصر القديمة. ويعتقد بعض المؤرخين أن كلمة زالخيمياءس التي استمدت منها كلمة الكيمياء هي تحوير لكلمة خيمياء أو كيمي والتي تعني حرفيا الأرض السوداء. وهذا اسم قديم للأرض التي تمتد علي ضفتي النيل, حيث كان فيضان النهر يغير لون التربة حين يغمرها.

وكان سفري إلي الولايات المتحدة في1969 يقينا بوابة لأحلام أكبر. ففي عصر ما بعد القمر الصناعي سبوتنيك, لم يكن هناك من يضاهي أمريكا في الفرص التي تقدمها, خاصة للشباب. فبجانب الثقافة الغنية والحرة, كان هناك إحساس بأن السماء هي الحدود. وقد غرس أستاذي, روبن هوكشتراسر في جامعة بنسلفانيا وهاريس في جامعة كاليفورنيا بيركلي, في أعماقي أهمية العلوم الأساسية. كما كان لدي شعور بأن التمويل لم يكن يمثل مشكلة بالنسبة لهما. فقد أمضيا معظم وقتهما عالمين وليس مديرين للعلوم. وخلال هذه التجربة, رأيت الفرق بين ما يسمي االعلم الصغير والعلم الكبير, خاصة عندما أصبحت زميلا في آي بي ام, أعمل في المرافق المذهلة لمختبر لورنس بيركلي الوطني.

وتلقيت وأنا في جامعة كاليفورنيا بيركلي عرضا من جامعة كالتك. وسرعان ما وجدت أنني, كعضو في هيئة التدريس في الكلية, في المكان المناسب والزمن المناسب مرة أخري. كان تراث بولنغ موجودا في كل مكان, مع تركيز البحث علي بنية الجزيئات في كالتك وفي أماكن أخري. كنت في وضع فريد لبدء البحث في ديناميكيات الجزيئات. وفي ذلك الوقت, كان مفهوم التماسك والالتحام في الكيمياء غريبا, ولم يقدر بعض علماء الكيمياء المشهورين, بمن فيهم ثلاثة من الحاصلين علي جائزة نوبل أهميته. ولم يروا أن له قيمة كبيرة. لكن كالتك أتاحت لي الفرصة لأن أكون مستقلا من الناحية الفكرية مع وجود مجال واسع من الفرص لتحقيق أهدافي. 

وعملت مع مجموعة استثنائية من الباحثين, ونشرنا في1987 أول بحث عن الفمتوكيمياء, مقدمين تقريرا عن جس وسبر وربما التحكم في حركة تماسك الذرات في التفاعلات وخلال حالات انتقالها قصيرة الأجل. وكان بعض العلماء يشعرون بالقلق بشأن قضايا مثل مبدأ اعدم اليقين, وقابلية المنهج العام للتطبيق, لكنني وجدت أنهم بعد حصولي علي نوبل في عام1999 أصبحوا مقتنعين!
وفي هذا الصدد, يتعين علي أن أذكر صديقي العزيز الراحل ريتشارد برنشتاين. إن حماس ديك المفرط لتطوير الفمتو كيمياء, وأيام التشاور والنصح التي أمضيناها معا في كالتك عندما كان في إجازة للدراسة والبحث كأستاذ متميز في منحة شيرمان فيرتشايلد, والبحوث المشتركة التي كتبناها هي كلها تجارب أجلها وأقدرها. وقد تنبأ ديك بأن الفمتو كيمياء ستحصل علي جائزة نوبل, ولكنه للأسف توفي دون أن يشهد تحقق نبوءته.

إن جائزة نوبل هي شرف عظيم, لكنها تدفع إلي توقع أن يتوقف حائزها عن العمل في مجال العلم وأن يصبح خبيرا( أو عارفا علي الأقل) بكل شيء من البورصة إلي مستقبل البشرية. وقد وجد الناس أنه من الصعب تصديق رغبتي في مواصلة البحث.

فقد كان لدي حلم أكبر من الفمتوكيمياء, وهو أن أتمكن من تصوير وتجسيد تحول المادة ليس فقط في الزمان ولكن في المكان أيضا, وأن أرسم شكلا بيانيا لحركات الذرات في أبعادها الأربعة. وقد استطعنا عبر السنوات العشر الماضية في كالتك تطوير ميكروسكوب الكتروني رباعي الأبعاد لتحقيق ذلك. ونحن نستخدم حاليا رزما صغيرة شديدة القصر من الالكترونات لسبر النظم مع تحليل للحيز أصغر من النانومتر وتحليل بزمن الفمتوثانية. وإضافة إلي فتح هذه الأبعاد غير العادية للزمان والمكان أمام البحوث الأساسية, فإن تحقيق حلمنا الكبير علي هذا النحو كانت له آثار كبيرة علي التطبيقات الممكنة في علوم الكيمياء والبيولوجيا والمواد. ولم يكن هذا ليتحقق بدون توافر المكان المناسب في كالتك, والزمان المناسب مع التمويل الذي قدمته مؤسسة جوردون آند بيتي مور.

وفي مسعاه الأحدث عهدا, أصبح صديق عزيز آخر هو السير جون موريغ توماس من جامعة كمبردج مناصرا متحمسا للتطور الجديد. فقد قدر مبكرا أهمية التوصل للرؤية الحقيقية في المكان والزمان( الأبعاد الأربعة للمادة) في وقت أثيرت بعض الشكوك في هذا المجال.

وجون خبير عالمي في ميكروسكوبية الالكترونية ثنائية وثلاثية الأبعاد, وقد كتبنا معا في كاليفورنيا كتابا نشر منذ عامين مضيا بعنوان زالميكروسكوب الالكتروني رباعي الأبعاد: التصوير والمكانس( دار امبريال كوليج,2009). وعلي مر السنين, استمتعت برؤاه الشاعرية عن العلم والعلماء.

أحلام الكيمياء


تحدثت كثيرا حتي الآن عن الأحلام في مجال له أهمية خاصة بالنسبة لي, ولكن ماذا عن علم الكيمياء بصفة عامة؟ يعتقد بعض من أهل هذه المهنة أن الكيمياء في القرن21 بلغت حاليا زحد النهايةس وأنها ربما لا تفيد في خدمة مجالات أخري. وأكثر من ذلك وعلي نطاق أوسع انتشارا, ادعي بعض مؤلفي الكتب الشائعة أن العلم حانت نهايته! إن هذه الآراء قصيرة النظر, وهذا أقل ما يمكن قوله. وأعتقد أن الفرص المتاحة للبحوث الأساسية في الكيمياء في هذا القرن أشد إثارة للاهتمام منها في أي وقت, شريطة ألا تكون رؤيتنا مقيدة بالحدود التقليدية المتزمتة.


إن الاختراقات ستستمر عندما ندرك كيف ولماذا تعمل نظم مكونة من آلاف الذرات والجزيئات الدقيقة, والمواد, والخلايا, بصورة متماسكة كما لو كان لها هدف محدد, فقد نسلم, أو لا نسلم, بأن الكل أكبر من مجموع الأجزاء وندرك كيف تنتج النظم المعقدة في الطبيعة أنواعا فريدة من السلوك يمكن وصفها باستخدام علم الميكانيكا التقليدي حتي إن تشكلت من عالم الكم الاحتمالي من الذرات والجزيئات. ولو أجلينا هذه الأسرار الغامضة, فإن ذلك سيؤثر علي مجالات عديدة من علوم المواد والحياة, حتي الفيزياء.

ومن وجهة نظري, فإن الكيمياء لن تغدو مجرد أداة لخدمة مجالات أخري ما لم يغب هدفها الأول عنا. إن مجالنا هذا يمكن وينبغي أن يظل علما أساسيا يوفر أدوات جديدة ويحدد مفاهيم جديدة, ولكن مع تركيز اهتمامنا علي المسائل المهمة في المجالات البازغة المتسمة بالتعقيد, من علم النانو إلي البيولوجيا الفيزيائية. ويساعد علي دعم هذه القضية إبراز جمال أسس الكيمياء, والصورة الكبيرة لرسالتها, في العالم وفي الولايات المتحدة. وعلينا أن نتطلع للأمام لا تهزنا ضغوط التغيرات الطارئة أو التمويل وأن تحركنا رغبتنا للاستطلاع والتقصي.

الأحلام وحب الاستطلاع


مثلما أعرب لويس كارول بألمعية في زمغامرات أليس في بلاد العجائبس فإن حب الاستطلاع هو مفتاح الاستكشاف الذي يمضي أبعد من زالمجهولات المعروفةس. وعندما كنت مؤخرا في زيارة رسمية لجنوب شرق آسيا, سألني رئيس الوزراء زما الذي يتطلبه الحصول علي جائزة نوبلس وأجبت فورا زالاستثمار في البحوث الأساسية وإعلاء أفضل العقولس. ويبدو هذا النهج الذي يحركه حب الاستطلاع علي نحو متزايد عتيق الطراز ولا يلقي تقديرا في عصر العلم الحديث. إذ يعتقد البعض أنه يمكن تحقيق الكثير من خلال البحوث الموجهة بصورة محكمة, كما لو أن الاكتشافات يمكن التنبؤ بها. وللأسف فإن هذا الموقف يمثل مفهوما خاطئا يؤثر علي تمويل البحوث ويوهنه.


وهناك عدد لا يحصي من الاختراقات القيمة التي نتجت عن البحوث التي يحركها حب الأفراد للاستطلاع. ربما يجيء خير مثال من العمل الذي قام به تشارلي تاوينز وزملاؤه لابتكار الميزر( أداة لإطلاق نبضات كهربائية بالغة القوة) وأشعة الليزر. وفي احتفال نظم في باريس في الصيف الفائت بالذكري الخمسين لاختراع الليزر, ذكرنا تاوينز بأنه لم يكن له دافع في البدء سوي حب استطلاع فكري بشأن الدراسات الطبيعية للموجات القصيرة, والذي أدي لاحقا لاختراع ميزر الأمونيا. وفي هذه السلسلة من التجارب, كان يتعين علاج قضايا أساسية: كيفية تعزيز الانبعاث الذي يحث علي الامتصاص والذي قال به اينشتين, وكيفية الحفاظ علي التقدم, وكيفية زهزيمةس مبدأ عدم اليقين وتحقيق أحادية الطول الموجي خلال التماسك. وقد سمي الليزر زأداة تبحث عن مشكلةس. ولم يتخيل أحد تأثيره التكنولوجي حاليا, من جراحة العيون إلي ثورة تكنولوجيا المعلومات.

وكما ذكرت في احتفال باريس, فقد انتابني الفضول خلال مسيرتي العلمية بشأن اسئلة تتعلق بالتجانس ومبدأ عدم اليقين كان لها دور في إسهامات فريقي بشأن علم الفمتوثانية أولا ثم بشأن الميكروسكوبات الالكترونية رباعية الأبعاد. وأشك أن اقتراح المنحة الأولي الذي كتبته بشأن التجانس في علم الديناميكا, والذي لم تكن له أهمية مباشرة بالنسبة إلي صعيد التأثير الأوسع, يمكن أن يجد تمويلا الآن.
إن ميكانيكا الكم, والنسبية, والكون الممتد, وحل شفرة الجينات, كانت اكتشافات نجمت عن الفضول لسبر الأغوار الذي يدفعه حب الاستطلاع. وكذلك الحال بالنسبة إلي تكنولوجيات ثورية مثل التصوير بالرنين المغناطيسي( التي استحدثت بفضل البحث الذي يدفعه حب الاستطلاع عن تحرك الإلكترون في دوامات, والترانزستور( الذي اكتشف نتيجة لحب الاستطلاع بشأن خصائص الالكترون في أشباه الموصلات). وتشكل الصناعات التي نتجت عن ذلك حاليا العمود الفقري للاتصالات علي النطاق العالمي والاقتصاد الدولي. إن لحب الاستطلاع مردودا, ومثلما قال فرانسيس بيكون
إن الرجل الحكيم سيحقق فرصا أكبر مما يجد وكذلك المرأة.

أحلام عالمية


إن العلم والتكنولوجيا اللذين يحركهما حب الاستطلاع كان لهما مردودهما بالنسبة لأمريكا, ليس فقط بالثروة والقوة الجلية, ولكن أيضا بالقوة الناعمة, القوة التي تأسر القلوب والألباب. وسيكون أمرا حكيما ومناسبا للعصر استخدام هذه القوة الناعمة في الشئون الدولية. ففي عالم اليوم, يشيع الاعتقاد في أن قوة أمريكا الناعمة تكمن في شعبية أفلام هوليود, والكوكاكولا, وماكدونالدز, وستاربكس. لكن الدراسات تفاجئنا بقصة مختلفة. ففي استطلاع قام به مؤخرا مركز بيو للأبحاث شمل43 دولة قال79% ممن أجابوا علي الأسئلة إن أشد ما يعجبهم في الولايات المتحدة هو قيادتها في مجال العلوم والتكنولوجيا. وجاءت صناعة الترويج الأمريكية في مكانة تالية علي مسافة بعيدة.

إن ما وجدته فريدا كطالب أجنبي في الولايات المتحدة في السبعينيات هو ما لايزال كثير من العالم يقدره أشد التقدير بشأن أمريكا الآن, ألا وهو ثقافتها الفكرية المنفتحة, وجامعاتها العظيمة, وقدرتها علي الاكتشاف والابتكار, وروح ريادة المشروعات لديها. وتستطيع الولايات المتحدة, عن طريق تسخير القوة الناعمة للعلم في خدمة الدبلوماسية, أن تجعل خير ما في ثرائها الثقافي مؤثرا في بناء علاقات أفضل وأوسع مع العالم عامة. فالعلم يجسد بطرق كثيرة القيم الأساسية لما سماه المؤسسون الأمريكيون زحقوق الإنسانس كما حددها قانون الحقوق: حق التفكير والكلام والالتزام بالمساواة في الفرص.

عودة للمستقبل


في خطابه الذي ألقاه في القاهرة في4 يونيو2009, أعلن الرئيس باراك أوباما مبادرة جديدة للتعاون والشراكة تؤكد علي دور العلم والتكنولوجيا في الدبلوماسية, خاصة مع البلدان ذات الأغلبية المسلمة. وبعد ذلك بفترة وجيزة, عينت مبعوثا علميا للولايات المتحدة إلي الشرق الأوسط, وانخرطت في بعثة دبلوماسية أعادتني إلي المكان الذي جئت منه, ولكن بحلم مختلف حاليا. وإذا كان ما تعلمته من تجوالي ومشاهدتي لحالة العلم والتعليم في المنطقة مدعاة لبعض القلق, فهو يبعث أيضا علي تفاؤل كبير.

ويواجه التعليم في الولايات المتحدة مشاكل كثيرة. وتواجه غالبية البلدان التي زرتها صعابا مماثلة, لكنها تجابه أيضا متاعب أشد قسوة تعرقل التقدم الوطني والعالمي. ومع ذلك, هناك بشائر إيجابية أيضا, إذ تحقق بلدان مثل ماليزيا وتركيا وقطر خطوات كبيرة في مجال التعليم والتنمية التقنية والاقتصادية. وتعد مصر والعراق وسوريا ولبنان والمغرب وإندونيسيا أمثلة للبلدان الغنية بالمواهب البشرية. فنحو ثلث سكانها أو أكثر دون سن الثلاثين. ويجب ألا ننسي أن تاريخ الحضارة الإنسانية بدأ وازدهر في الشرق الأوسط. وحاليا, يعيش كثير من أبناء هذه البلدان في الغرب وحققوا تميزا في كل حقول المعرفة. ولا تزال القوة الكامنة للناس في الشرق الأوسط والبلدان ذات الأغلبية المسلمة باقية غير منقوصة إلي أن تتوافر الظروف الملائمة للتنمية.

وقد قرأت مؤخرا دراسة مهمة جعلتني أجفل من إدراك ديمغرافية كوكبنا. ففي دراسة اتعليم كل الأطفال: جدول أعمال عالمي, يجادل جويل كوهن وديفيد بلوم بأن هدف تحقيق التعليم الابتدائي والثانوي لكل الأطفال أمر ملح وممكن, ومع ذلك فإن أكثر من300 مليون طفل لن يلتحقوا بالمدارس في عام.2015 وينبغي بذل كل الجهود لتغيير هذه الصورة القاتمة حتي يمكن أن نأمل في مستقبل أفضل لعالمنا. إن لقوة العلم الناعمة القدرة علي إعادة تشكيل الدبلوماسية العالمية بتكلفة أقل جدا مما تحتاجه القوة الخشنة للاشتباك العسكري.

خاتمة


أود أن أنهي بالتأكيد علي فضائل الحلم بالمستقبل. إن الأحلام تتطور بصورة ديناميكية خلال الزمان والمكان. ووجود المرء في المكان والزمان المناسبين قد يكون مسألة حظ, لكن الحالمين يتعين عليهم أيضا أن يسعوا بنشاط وراء الفرص. ينبغي أن يكون الحالمون مستعدين لتحمل المخاطر وأن يسمح لهم بذلك. وفي مهنتنا للتقصي العلمي, مثلما هي الحال في الفنون والآداب, فإن العمل الأكثر إبداعا سيتجسد عندما ينطلق حب الاستطلاع دون أن تقيده قوي البيروقراطية والإدارة ثقيلة الوطأة. ومثلما قال لويس باستير فإن زالحظ يحابي العقول المتأهبةس ولكن الحلم لا يمكن أن يتحقق بدون وجود مناخ ملائم.

أخيرا
.. لقد ذكرنا نجيب محفوظ الحاصل علي جائزة نوبل في الأدب عام1988, بمسئوليتنا كمواطنين في عالم يتكون ممن يملكون ومن لا يملكون. وقال زفي هذه اللحظة الحاسمة في تاريخ الحضارة, من غير المتصور أو المقبول أن يضيع أنين الجنس البشري هباء.. فاليوم, يجدر بنا قياس عظمة أي قائد بشمول رؤيته وإحساسه بالمسئولية نحو الجنس البشري كله. إن العالم المتقدم والعالم الثالث ليسا سوي أسرة واحدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقال للدكتور أحمد زويل / جريدة الأهرام المصرية عدد الجمعة 3/6/2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق